قراءة في الواقع الحقيقي للنظام الإيراني

السبت، 08 أغسطس 2026 12:38 ص

إيران وإسرائيل

إيران وإسرائيل

خلف التصعيد العسكري واستعراض القوة أود أن أضع بين أيديكم هذه الإحاطة المختصرة، لأنها تساعد على فهم الواقع الحقيقي للنظام الإيراني بعيدا عن الصورة التي يحاول أن يرسمها من خلال التهديدات العسكرية، وإطلاق الصواريخ، والخطابات الصاخبة التي يوحي من خلالها بأنه في موقع القوة.

كما أن بعض وسائل الإعلام، لأسباب تتعلق بحسابات سياسية أو تنافس إقليمي، تساهم أحيانا في تقديم النظام الإيراني وكأنه نظام قوي ومتماسك.

لكن الحقيقة، كما تكشفها الوقائع داخل إيران، وما يصدر عن مسؤولي النظام أنفسهم، وما يظهر في وسائل إعلامه، وفي الصراعات الحادة بين أجنحته المختلفة، تؤكد أن النظام يعيش اليوم حالة انسداد كامل، أو كما يقول الإيرانيون: “لا يستطيع التقدم ولا يستطيع التراجع.”

فإذا أراد النظام أن يتقدم إلى الأمام، فلا بد أن يقبل التفاوض الحقيقي بشأن مشروعه النووي، وأن يتخلى عن سياسة الميليشيات والحروب بالوكالة، ويتوقف عن التدخل في شؤون دول المنطقة.

لكن المشكلة أن النظام لا يستطيع القيام بذلك، لأن هذه السياسات أصبحت جزءا أساسيا من آلية بقائه.

ولهذا السبب، فإنه غير قادر على التراجع، ولذلك فإن إصراره على التصعيد والحروب، وإن بدا في ظاهره علامة قوة، فإنه في الحقيقة يعكس حالة من العجز والاضطرار، ويكشف حجم الأزمة التي يعيشها.

ويمكن ملاحظة هذا المأزق بوضوح من خلال موقف مجتبى خامنئي من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، كما نقلته وسائل إعلام النظام.

فلو كان النظام قادرا على تقديم تنازلات أو اعتماد سياسة التسويات، لاستفاد من الامتيازات التي تضمنتها هذه المذكرة، ولحاول تجنب الدخول في مواجهة جديدة مع المجتمع الدولي.

لكن مجتبى خامنئي أعلن، من حيث المبدأ، رفضه لهذه المذكرة.

والسبب في ذلك أن أي تراجع، ولو كان محدودا، سيؤدي إلى فقدان مجتبى خامنئي والحرس الثوري السيطرة على الأوضاع الداخلية، وإلى انهيار أجواء التعبئة العسكرية والأمنية التي يعتمد عليها النظام، الأمر الذي قد يفتح الطريق أمام اندلاع انتفاضة شعبية جديدة.وهذا هو الهاجس الأكبر الذي يقلق مجتبى خامنئي والحرس الثوري اليوم، خاصة أن حالة الغضب الشعبي تتصاعد باستمرار بسبب الفقر، والبطالة، وغلاء المعيشة، والانهيار الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، تتوسع داخل إيران شبكات وحدات المقاومة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وهو ما تعترف به مؤسسات النظام الأمنية والعسكرية نفسها.

ولهذا تواصل السلطة تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد كبير من الشباب، سواء ممن شاركوا في الانتفاضات الأخيرة، أو ممن تتهمهم بالارتباط بشبكات مجاهدي خلق.

أولا:

طالما بقي هذا النظام في السلطة، فإنه سيظل المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار والحروب في المنطقة، لأنه يعتبر أن استمرار هذه الحروب جزء من شروط بقائه، ولذلك لن يتخلى عنها بإرادته.

ثانيا:

هذا النظام لم يعد يمتلك القدرة على انتهاج سياسة المهادنة أو تقديم التنازلات.

فإذا كان الخميني قد استطاع في نهاية الحرب العراقية الإيرانية أن يقبل وقف إطلاق النار، ووصف ذلك بأنه "تجرع كأس السم"، فإن ذلك كان لأن النظام في ذلك الوقت كان أكثر تماسكا وقوة، وكان قادرا على تحمل كلفة هذا القرار.

ومع ذلك، وللحفاظ على توازن نظامه، أصدر الخميني فتوى بإعدام نحو ثلاثين ألف سجين سياسي، كان معظمهم من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق.

أما نظام مجتبى خامنئي، فهو أضعف بكثير، ولا يملك القدرة على تحمل "كأس السم" مرة أخرى، لأن أي تراجع قد يؤدي إلى تفككه من الداخل.

ثالثا:

إن الحل الحقيقي لأزمة إيران، ولإنهاء حالة عدم الاستقرار في المنطقة، لا يكمن في الحرب، كما لا يكمن في سياسة المهادنة مع النظام الإيراني، وإنما يكمن في تغيير هذا النظام على أيدي الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة داخل إيران.

واليوم تبدو الأوضاع داخل إيران أكثر استعدادا من أي وقت مضى لاندلاع انتفاضة جديدة.

ولذلك لا يكاد يمر يوم دون أن يحذر مسؤولو النظام من خطر انتفاضة شعبية جديدة، كما تؤكد مؤسسات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، رغم حملات الاعتقال والإعدام والقمع، أن وحدات المقاومة داخل إيران ما تزال في حالة توسع وانتشار مستمر.

search