من محاولة الاغتيال إلى محافل باكو.. كيف انتزع "مليقطة" شرعية الأمر الواقع على رأس المخابرات الليبية؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 09:50 م
ليبيا
لم تعد المعركة حول قيادة جهاز المخابرات الليبية مجرد خلاف إداري داخل مؤسسات الدولة؛ فقد تشابكت فيها قضية أمنية تعود إلى محاولة استهداف عبد المجيد مليقطة، بأحكام قضائية طالت سبعة مدانين، ثم قرار المجلس الرئاسي بإعفاء حسين العايب وتكليف مليقطة خلفاً له، وصولاً إلى ظهور الأخير في محافل أمنية واستخباراتية دولية بصفته رئيساً للجهاز.
وبينما لا يزال النزاع القانوني حول قرار التكليف مفتوحاً أمام القضاء الليبي، تبرز في المقابل مجموعة من الوقائع التي تمنح مليقطة حضوراً مؤسسياً متزايداً، أبرزها مباشرته مهامه، واستقباله من مسؤولين ليبيين، وتحركاته الخارجية التي كان آخرها لقاءاته مع رؤساء أجهزة استخبارات مصر والسودان وأذربيجان على هامش مؤتمر باكو للأمن.
من قرار المجلس الرئاسي إلى ممارسة الاختصاص
في 28 يونيو/حزيران 2026، أعلن المجلس الرئاسي إعفاء الفريق أول حسين العايب من رئاسة جهاز المخابرات وتكليف عبد المجيد مليقطة خلفاً له. القرار، وإن أثار اعتراضاً من عضو المجلس موسى الكوني، شكّل الأساس الرسمي الذي استند إليه مليقطة في مباشرة مهامه.
ومنذ ذلك الحين، لم يقتصر حضور مليقطة على الجانب الإداري الداخلي، إذ ظهر في لقاءات رسمية مع مؤسسات الدولة الليبية. ففي الأول من يوليو، استقبله رئيس المجلس الأعلى للدولة بصفته رئيس جهاز المخابرات، وناقش معه ملفات سياسية وأمنية تتصل بالأمن القومي والاستقرار.
كما أفادت تقارير بأن مليقطة تسلم فعلياً بعض مقار الجهاز في طرابلس، والتقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في خطوة تعكس انتقال التكليف من نص القرار إلى ممارسة عملية لمهام المنصب.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في موقع مليقطة: فالرجل لا يستند فقط إلى قرار تكليف صادر عن المجلس الرئاسي، وإنما بدأ يتصرف ويُستقبل ويجري اتصالات رسمية باعتباره رئيساً لجهاز المخابرات.
باكو.. الاختبار الخارجي لصفة مليقطة
لكن التطور الأكثر دلالة جاء من خارج الحدود.
ففي سبتمبر 2026، شارك مليقطة في اجتماعات مؤتمر باكو للأمن في أذربيجان، والتقى رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، ورئيس المخابرات السودانية الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، ورئيس جهاز أمن الدولة الأذربيجاني علي ناغييف.
واللافت أن جهاز المخابرات الليبية نفسه أعلن هذه اللقاءات وقدم مليقطة بصفته رئيس جهاز المخابرات العامة المكلف من رئيس المجلس الرئاسي.
وفي لقائه مع رئيس المخابرات المصرية، بحث مليقطة ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهريب وتأمين الحدود، كما ناقش مع نظيره السوداني التحديات الأمنية المشتركة، بينما تناول اجتماعه مع المسؤول الأذربيجاني ملفات الإرهاب وغسل الأموال.
هذه التفاصيل تتجاوز البعد البروتوكولي؛ فحين يتحرك المسؤول المكلف في لقاءات مباشرة مع رؤساء أجهزة نظيرة لملفات أمنية مشتركة، فإن ذلك يقدم مؤشراً عملياً على أن قرار تكليفه لم يبقَ شأناً داخلياً محضاً، بل انعكس على مستوى التعامل المؤسسي الخارجي.
ولا يعني ذلك أن المؤتمرات الدولية تحسم النزاع القانوني داخل ليبيا، لكن طريقة تقديم مليقطة والتعامل معه تضيف بعداً مهماً إلى معركة إثبات الصفة والتمثيل الخارجي للجهاز.
قضية مليقطة.. الملف الذي سبق معركة القيادة
تكمن خلفية الصراع في محاولة استهداف مليقطة في يونيو/حزيران 2024، عندما استُهدفت سيارته بسيارة مفخخة في طرابلس. وفي يوليو/تموز من العام نفسه، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية تحديد هوية أربعة أشخاص متهمين في الواقعة وفروا إلى تونس.
لاحقاً، تحولت القضية إلى ملف قضائي على جانبي الحدود؛ ففي أبريل 2025، أصدرت محكمة جنايات طرابلس أحكاماً بحق سبعة مدانين تراوحت بين 11 سنة وسنة واحدة، وكان من بينهم نجل حسين العايب، الذي صدر بحقه حكم بالسجن سبع سنوات. كما صدر في تونس حكم بالسجن على ستة متهمين ليبيين.
وتكتسب هذه الأحكام أهمية سياسية وأمنية لأنها كشفت عن وجود صلات بين عدد من المحكوم عليهم وأجهزة أمنية، ما جعل حادثة الاستهداف تتحول إلى ملف يرتبط مباشرة بأسئلة الرقابة داخل المؤسسات السيادية.
نجل العايب.. إدانة قضائية لا تعني إدانة الأب
ويبقى ملف نجل حسين العايب أكثر جوانب القضية حساسية.
فالمحكمة أدانت نجل العايب وحكمت عليه بالسجن سبع سنوات. لكن هذه الإدانة، من الناحية القانونية، لا تعني تلقائياً مسؤولية والده عن الجريمة، ولا تثبت علمه أو مشاركته فيها ما لم تتوافر أدلة مستقلة.
وهذه التفرقة ضرورية عند قراءة الملف، خصوصاً أن القضية أصبحت جزءاً من صراع سياسي وأمني أوسع؛ فالمعلومة القضائية الثابتة هي إدانة الابن، أما مسؤولية الأب فتظل مسألة مختلفة تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة.
لماذا أصبحت القضية جزءاً من معركة القيادة؟
تكمن أهمية القضية في أنها سبقت توليه رئاسة الجهاز، لكنها أصبحت لاحقاً جزءاً من السياق الذي أعاد تشكيل العلاقة بينه وبين الجهاز الذي كان يرأسه العايب.
وفي أعقاب صدور الأحكام، أثيرت اتهامات سياسية من جانب مليقطة بشأن مسؤولية الجهاز الذي كان يتبع له عدد من المحكوم عليهم، وطالب بمساءلة قيادته آنذاك. غير أن هذه المواقف تبقى تصريحات سياسية لا تحل محل الحكم القضائي.
ومن هذه الزاوية، لا تثبت القضية بذاتها أن العايب كان وراء الاستهداف، لكنها تكشف عن وجود أزمة رقابة ومساءلة داخل مؤسسة أمنية حساسة، خصوصاً بعد إدانة أحد أبناء رئيس الجهاز آنذاك.
العايب يلجأ إلى القضاء.. ومليقطة يوسع حضوره
في المقابل، لم يتخلَّ حسين العايب عن معركته على المنصب؛ إذ لجأ إلى القضاء للطعن في قرارات المجلس الرئاسي، بينما تمسكت الجهات الداعمة لمليقطة بسلامة القرار واختصاص المجلس.
وفي سبتمبر 2026، أصدرت محكمة استئناف الزاوية، في الشق المستعجل من الطعن الإداري، حماً بوقف تنفيذ قرارات المجلس الرئاسي المتعلقة بإعفاء العايب وتكليف مليقطة وتعيين نائب له. وكان قد صدر في أغسطس حكم آخر عن محكمة استئناف بنغازي تناول القرارات نفسها.
لكن الحكم المستعجل لا يعني حسم أصل النزاع بصورة نهائية، وهو ما يبقي المعركة القانونية مفتوحة، في الوقت الذي واصل فيه مليقطة تحركاته باعتباره رئيس الجهاز المكلف.
معركة شرعية أم معركة واقع؟
هنا تبرز المفارقة الأساسية: في الداخل، نزاع قضائي حول قرار الإعفاء والتكليف. وفي الخارج، تحركات استخباراتية رسمية لمليقطة بصفته رئيس جهاز المخابرات الليبية المكلف.
وبين المسارين، تتشكل معركة على مفهوم الشرعية نفسه: شرعية القرار الصادر عن السلطة المكلِفة، مقابل الشرعية التي يسعى العايب إلى تثبيتها عبر المسار القضائي.
وتمنح التحركات الخارجية مليقطة بعداً إضافياً، إذ لم تقتصر لقاءاته على مسؤولين سياسيين، بل شملت رؤساء أجهزة استخبارات لدول ذات ثقل إقليمي. ومن ثم، فإن أهمية مؤتمر باكو لا تكمن فقط في الظهور الرسمي، بل في ممارسة وظيفة رئيس الجهاز على المستوى الخارجي، وبناء قنوات اتصال مباشرة مع أجهزة نظيرة.
لا يزال النزاع على قيادة جهاز المخابرات الليبية مفتوحاً، ولا يمكن اعتبار أي مسار منفرد كافياً لإنهاء الجدل. لكن الوقائع المتراكمة ترسم صورة أكثر تعقيداً؛ فالمجلس الرئاسي أصدر القرار، والمؤسسات استقبلت مليقطة، وتحركاته امتدت إلى الساحة الدولية، بينما يتمسك العايب بطعونه القضائية.
وبذلك، تبدو معركة المخابرات الليبية قد انتقلت من سؤال: من صدر بحقه قرار التكليف؟ إلى سؤال أوسع: من يملك القرار، ومن يمارس الاختصاص، ومن يُتعامل معه خارجياً باعتباره ممثلاً للمؤسسة؟ وفي هذا الجانب تحديداً، تقدم تحركات مليقطة الأخيرة في الخارج مؤشراً جديداً في مسار المعركة، بينما يبقى الفصل النهائي من اختصاص القضاء.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
محافظ القاهرة: لا عودة للتعديات على كورنيش المقطم
23 سبتمبر 2026 04:08 م
كفر الشيخ تنتهي من المرحلة الثالثة لـ«دليل أملاك الدولة» بمركز فوه
22 سبتمبر 2026 07:42 م
رئيس الوزراء يستعرض نتائج قافلة طبية شاملة نظمتها اللجنة الطبية العليا بأسيوط
20 سبتمبر 2026 02:57 م
تحرك عاجل بعد بلاغ عن تمساح بمصرف الزوامل في الشرقية
17 سبتمبر 2026 12:35 م
الأكثر قراءة
-
الذهب يتراجع 50 جنيهًا.. سعر عيار 21 الآن في مصر
-
مصر وليبيا.. موعد مباراة شباب الفراعنة والقناة الناقلة
-
أماكن منافذ السلع المخفضة في الجيزة.. 35 منفذًا لخدمة المواطنين
-
الرئيس الأرجنتيني يرقص مع طلاب يهود في نيويورك بعد حصوله على جائزة «محب إسرائيل»
-
ترامب وشي وجها لوجه مجددا.. ما المنتظر تجاريا واقتصاديا؟
أكثر الكلمات انتشاراً