البنك المركزي الأوروبي يرفع الفائدة مجددًا وسط تصاعد التضخم.. ماذا ينتظر الأسواق؟

الخميس، 10 سبتمبر 2026 10:24 ص

صورة تعبيرية

صورة تعبيرية

يحدث الآن

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا، في خطوة تأتي للمرة الثانية منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، والتي أسهمت في دفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة، بالتزامن مع استمرار التضخم فوق المستهدف، رغم إظهار اقتصاد منطقة اليورو قدرة أكبر من المتوقع على الصمود.

ومن المنتظر أن يرفع البنك سعر الفائدة على الودائع بمقدار 25 نقطة أساس، لتصل إلى 2.5%، خلال اجتماع السياسة النقدية المقرر اليوم الخميس، وفق توقعات جميع المحللين تقريبًا الذين استطلعت «بلومبرج» آراءهم، باستثناء محلل واحد.

وتشير التوقعات إلى أن البيانات الاقتصادية الجديدة ستمنح صانعي السياسة النقدية مبررات إضافية لتشديد السياسة النقدية، في ظل ارتفاع ضغوط التضخم بالتزامن مع تحسن وتيرة النمو في منطقة اليورو، التي تضم 21 دولة.

التضخم يتجاوز 3% ويضغط على البنك المركزي الأوروبي

ويواجه البنك المركزي الأوروبي تحديًا متزايدًا مع تجاوز معدل التضخم 3% خلال الشهر الماضي، ليسجل أعلى مستوى له في نحو ثلاثة أعوام، وسط توقعات بأن يتراجع التضخم خلال الفترة المقبلة، ولكن بوتيرة محدودة قد لا تكون كافية لإعادته سريعًا إلى المستهدف البالغ 2%.

ويأتي ذلك في وقت سبق فيه البنك المركزي الأوروبي بنوكًا مركزية كبرى أخرى، مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، في تشديد السياسة النقدية، بعدما رفع أسعار الفائدة في يونيو الماضي.

ورغم أن رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر يبدو شبه محسوم بالنسبة للأسواق والمحللين، فإن السؤال الأصعب يتعلق بمسار السياسة النقدية بعد هذه الخطوة.

هل يرفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة مرة أخرى؟

تسعّر الأسواق حاليًا احتمال تنفيذ رفعتين إضافيتين للفائدة أو أكثر، إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن هذا السيناريو ليس مؤكدًا، في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بمستقبل التضخم والنمو.

كما بدأت الخلافات تظهر بين مسؤولي البنك المركزي الأوروبي بشأن الخطوة التالية، إذ يرى بعضهم أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى مزيد من الارتفاع بعد سبتمبر، بينما يدعو آخرون إلى التريث، خصوصًا مع عدم وجود مؤشرات واضحة حتى الآن على انتقال موجة التضخم إلى مراحل أكثر رسوخًا.

وتزيد المخاطر المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط والسياسة التجارية الأمريكية من صعوبة تحديد المسار المقبل لأسعار الفائدة.

وقال ياري شتيهن، كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى «جولدمان ساكس»، إن رفع الفائدة خلال الأسبوع الجاري يبدو واضحًا، لكن حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن التوقعات الاقتصادية، إلى جانب مؤشرات الانقسام داخل مجلس المحافظين، تجعل من المرجح أن يترك البنك مسار الفائدة مفتوحًا أمام جميع الاحتمالات.

اجتماع مهم في ظل ارتفاع عوائد السندات

ومن المقرر أن يصدر البنك المركزي الأوروبي قراره بشأن السياسة النقدية في وقت لاحق اليوم، خلال الاجتماع السنوي الوحيد الذي يعقده البنك خارج مقره في فرانكفورت.

ومن المنتظر أن تعقد رئيسة البنك، كريستين لاجارد، مؤتمرًا صحفيًا بعد القرار بنحو نصف ساعة، وسط ترقب واسع لما ستكشف عنه بشأن مستقبل أسعار الفائدة.

وكان عدد من مسؤولي البنك قد ألمحوا بشكل واضح إلى الاتجاه نحو رفع الفائدة في سبتمبر، في خطوة قد تعزز موقع البنك المركزي الأوروبي باعتباره من أكثر البنوك المركزية تشددًا بين دول مجموعة السبع.

لكن الخلافات داخل البنك تتركز بصورة أكبر على المرحلة التالية من دورة التشديد النقدي.

وقال جيديميناس سيمكوس، محافظ البنك المركزي الليتواني، إن رفع الفائدة إلى 2.5% لن يكون كافيًا لإعادة التضخم إلى مستوى 2%، مشيرًا إلى قوة النمو وعدد من العوامل الأخرى التي لا تزال تدفع الأسعار إلى الارتفاع.

في المقابل، حذر بييرو تشيبولوني، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، من الإفراط في تشديد السياسة النقدية، لتجنب التسبب في أضرار للاقتصاد الأوروبي.

2.5%.. أين يبدأ تأثير الفائدة على الاقتصاد؟

ويُنظر إلى مستوى 2.5% على نطاق واسع باعتباره الحد الأعلى تقريبًا للنطاق المحايد لأسعار الفائدة، أي المستوى الذي لا يدفع الاقتصاد بقوة نحو التوسع أو الانكماش.

وبمجرد تجاوز هذا المستوى، تبدأ السياسة النقدية في ممارسة تأثير أكثر تقييدًا على النشاط الاقتصادي، إلا أن هذا التقييم لا يحظى بإجماع كامل بين مسؤولي البنك.

ويرى جابرييل مخلوف، محافظ البنك المركزي الأيرلندي، أن السياسة النقدية لن تدخل النطاق التقييدي فعليًا إلا عندما تتجاوز الفائدة مستوى 2.75%.

كما أكد يواخيم ناجل، رئيس البنك المركزي الألماني، أن صانعي السياسة النقدية مطالبون بمراقبة الارتفاع الأخير في عوائد السندات العالمية، معتبرًا أن هذا التطور «يعقد الوضع»، رغم أن تشديد الأوضاع المالية يمكن أن يساعد البنك المركزي في السيطرة على التضخم.

توقعات التضخم والنمو تحسم مستقبل الفائدة

وتعد التوقعات الاقتصادية الجديدة أحد أهم العوامل التي ستؤثر في مناقشات مسؤولي البنك المركزي الأوروبي بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

ومن المتوقع أن يعيد البنك نشر سيناريوهات اقتصادية بديلة، على غرار ما فعله خلال اجتماعي مارس ويونيو، بهدف توضيح كيفية تأثر الاقتصاد الأوروبي بمختلف التطورات المحتملة.

ويرجح المحللون أن يرفع البنك توقعاته للتضخم خلال العام المقبل، مقارنة بتقديراته السابقة في يونيو والبالغة 2.3%.

أما بالنسبة لعام 2026، فتشير التوقعات إلى الإبقاء على تقدير التضخم عند مستوى 3%، بالتزامن مع توقع تسجيل نمو اقتصادي أقوى.

وقال جريج فوزيسي، الاقتصادي لدى «جيه بي مورجان»، إن انخفاض توقع التضخم لعام 2028 إلى مستوى أقل من المستهدف، خصوصًا بالنسبة للتضخم الأساسي والتضخم باستثناء الطاقة، سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد مدى الحاجة إلى زيادات إضافية في أسعار الفائدة.

وأشار إلى أن استمرار التوقعات الحالية قد يؤكد الحاجة إلى أكثر قليلًا من الزيادات الثلاث التي تسعّرها الأسواق حاليًا.

بيانات قديمة تصعّب مهمة البنك المركزي

ولا تقتصر التحديات أمام البنك المركزي الأوروبي على معدلات التضخم والنمو، إذ يواجه أيضًا مشكلة تتعلق بتوقيت البيانات المستخدمة في إعداد توقعاته الاقتصادية.

فالبيانات التي تستند إليها التقديرات تعود إلى أغسطس، ما يعني أنها قد لا تعكس بالكامل أحدث التطورات في الأسواق، وعلى رأسها الارتفاع الكبير في عوائد السندات العالمية والقفزة الأخيرة في أسعار الطاقة.

وقد يجعل ذلك مهمة صانعي السياسة النقدية أكثر تعقيدًا، في ظل سرعة تغير الظروف الاقتصادية والجيوسياسية.

مستقبل كريستين لاجارد يثير التكهنات

وبالتزامن مع اجتماع البنك المركزي الأوروبي، تتزايد التكهنات بشأن مستقبل كريستين لاجارد، وسط احتمالات متزايدة بشأن مغادرتها منصبها قبل انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر 2027.

وزادت هذه التكهنات بعد تصريحاتها عقب اجتماع يوليو بشأن أسعار الفائدة، والتي اعتُبرت من أوضح الإشارات حتى الآن إلى إمكانية عدم استمرارها في قيادة البنك حتى نهاية ولايتها.

وكانت «بلومبرج» قد ذكرت الشهر الماضي أن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يعقد اجتماعه السنوي في دافوس، لا يزال يسعى لإقناع لاجارد بتولي رئاسته، في وقت تستعد فيه لنشر مذكراتها أواخر يناير.

كما لم تستبعد لاجارد مؤخرًا إمكانية تولي منصب سياسي في فرنسا، مكتفية بالقول إنها قد تعمل «بالصفة التي أكون فيها الأكثر كفاءة».

ومن المنتظر أن تكون لاجارد ضيفة شرف في تجمع سياسي سنوي ينظمه هيرفي موران، رئيس منطقة نورماندي وزعيم حزب «الوسطيين»، بعد فترة وجيزة من زيارتها إلى برلين.

وقد تتزايد الضغوط بشأن مستقبل قيادة البنك المركزي الأوروبي في حال غادرت إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي، منصبها قبل انتهاء ولايتها، وسط تقارير عن إمكانية انتقال المسؤولة الألمانية إلى صندوق النقد الدولي.

search