الحرب والمفاوضات بين واشنطن وطهران وظلّ الصين"
الخميس، 14 مايو 2026 03:01 م
صورة أرشيفية
تدخل الأزمة بين واشنطن وطهران مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد الحرب وحدها هي مركز المشهد، ولا المفاوضات وحدها قادرة على إنتاج مخرج واضح. ما تكشفه الصحف الصادرة داخل إيران هو أن النظام يعيش في منطقة رمادية خطرة: لا يستطيع الذهاب إلى حرب شاملة مفتوحة، ولا يملك في الوقت نفسه القدرة على تقديم تنازلات كبيرة من دون أن يدفع ثمناً داخلياً باهظاً. وبين تهديدات ترامب، وزيارته إلى الصين، وتعقيدات تنگه هرمز، تبدو طهران جزءاً من لعبة دولية أوسع تتجاوز حدود الصراع الثنائي مع الولايات المتحدة.
صحيفة "جوان" تحاول تقديم الحرب الأخيرة باعتبارها نموذجاً لفشل ترامب أمام ما تسميه "الصبر الاستراتيجي" الإيراني. فهي تصف سلوك الرئيس الأمريكي بأنه مزيج من التهور، والنرجسية السياسية، واللجوء إلى نظرية "يد المجنون"، أي محاولة إرغام الخصم على التراجع عبر إظهار استعداد غير محدود للتصعيد. غير أن هذا الخطاب، رغم نبرته الدعائية، يكشف في عمقه خوفاً حقيقياً من استمرار حالة "لا حرب ولا سلام"، لأن هذه الحالة تُبقي الاقتصاد والمجتمع والسياسة في حالة استنزاف دائم.
في المقابل، تتناول "شرق" و"آرمان ملی" زيارة ترامب إلى الصين من زاوية مختلفة. فهذه الزيارة لم تعد مجرد حدث في العلاقات الأمريكية الصينية، بل تحولت إلى محطة حاسمة في إدارة أزمة إيران. فالصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة من المنطقة وأحد أهم الشركاء الاقتصاديين لطهران، تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع آثار الحرب، وإغلاق أو تقييد الملاحة في هرمز، واضطراب أسواق الطاقة. وهنا تظهر مفارقة مهمة: ترامب الذي يرفع شعار الضغط على الصين، يحتاج في ملف إيران إلى دور صيني يساهم في تهدئة الأزمة وفتح المسارات التجارية والنفطية.
لكن هذا لا يعني أن الصين ستقف إلى جانب طهران بلا حدود. فالمقالات المنشورة في "دنیای اقتصاد" و"شرق" تكشف أن بكين تتعامل مع إيران بمنطق المصالح لا بمنطق التحالف الأيديولوجي. فهي تريد استمرار الاستفادة من موقع إيران، لكنها لا تريد دفع كلفة مواجهة مباشرة مع واشنطن. ولذلك يمكن القول إن النظام الإيراني يراهن على الصين، لكنه يعرف في الوقت نفسه أن هذا الرهان محدود ومشروط. الصين تريد إيران كورقة تفاوضية واستراتيجية، لا كعبء يجرّها إلى مواجهة عالمية مفتوحة.
أما "دنیای اقتصاد" فتطرح زاوية أكثر عقلانية حين تتحدث عن "تله توهم خطیسازی مذاکرات". فالمفاوضات لا تسير في خط مستقيم من الضغط إلى التنازل، بل هي لعبة متعددة الأطراف تتداخل فيها حسابات الحرب، والطاقة، والصين، وإسرائيل، ودول الخليج، والداخل الأمريكي. هذا التحليل يفضح مأزق واشنطن وطهران معاً: كل طرف يعتقد أنه يستطيع دفع الآخر إلى التراجع، لكن الواقع أن كلفة التصعيد باتت تمس الاقتصاد العالمي، لا طرفاً واحداً فقط.
وفي هذا السياق، يظهر الملف النووي مجدداً كإحدى عقد الأزمة. فبينما تريد واشنطن اتفاقاً "أفضل من برجام" يشمل التخصيب والمخزون النووي والرقابة الدولية، ترفض طهران الظهور بمظهر الطرف الذي يتراجع تحت النار. وهذا ما يجعل أي اتفاق محتمل هشاً ومعرضاً للانهيار، خصوصاً إذا ظل قائماً على منطق فرض الإرادة لا منطق التسوية المتوازنة.
الخلاصة أن النظام الإيراني يعيش لحظة اختبار مزدوجة. فهو من جهة يحاول استثمار تناقضات واشنطن وبكين، ومن جهة أخرى يخشى أن يتحول إلى ورقة مساومة بين القوتين. كما أن الحرب، التي كان من المفترض أن تمنح النظام فرصة لتعبئة الداخل، تحولت إلى عامل ضغط اقتصادي واجتماعي مستمر. ولذلك فإن الأزمة الحالية لا تعكس قوة النظام بقدر ما تكشف ضيق خياراته: حرب مكلفة، تفاوض محفوف بالمخاطر، واعتماد متزايد على قوى كبرى لا تتحرك إلا وفق مصالحها.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
الأكثر قراءة
-
زيادة تدفق البضائع إلى أسواق الخليج عبر ميناء دمياط.. «ترانزيت غير مباشر»
-
سعر الدولار مقابل الجنيه المصري اليوم الجمعة
-
مواعيد مباريات اليوم الجمعة 15مايو 2026 والقنوات الناقلة
-
زيادة التبادل التجاري بين روسيا ودول «التعاون الإسلامي» إلى 174 مليار دولار
-
مدبولي يشهد احتفالية صندوق تطوير التعليم لإطلاق "مبادرة المليون رخصة دولية"
أكثر الكلمات انتشاراً