ناصر عمار: الجنوب الليبي منطقة استراتجية وليست ورقة سياسية للمساومات

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 09:29 ص

ناصر عمار

ناصر عمار

تتجاوز التحركات العسكرية في الجنوب الليبي، وفق قراءة ناصر عمار، آمر قوة الإسناد بعملية «بركان الغضب»، حدود المتابعة الروتينية للقوات المرابطة، لتدخل في سياق أوسع يتعلق بتثبيت النفوذ وإبراز موازين السيطرة على الأرض، في ظل استمرار الانقسام بين المؤسسات والقوى العسكرية في ليبيا.

ويضع عمار دور رئيس أركان القوات البرية صدام حفتر في قلب هذا المشهد، متسائلاً عن طبيعة الدعم المعنوي الذي يقدمه للقوات المنتشرة في الثغور الجنوبية، ومدى انعكاس زياراته ومناوراته على رفع مستوى التعبئة والكفاءة والاستعداد العسكري.

الجنوب.. منطقة استراتيجية لا ورقة سياسية
يرى عمار أن الجنوب الليبي يتمتع بأهمية استراتيجية تتجاوز حدوده الجغرافية، بسبب اتصاله بالجزائر والنيجر وتشاد والسودان ومصر، واحتضانه حقولاً نفطية مهمة وممرات صحراوية تستخدمها حركة التجارة والعبور، إلى جانب المسالك التي تنشط فيها شبكات التهريب.

ويشدد على أن الجنوب لا ينبغي أن يكون ورقة للمساومة السياسية أو ميداناً للصراع على الشرعية بين الشرق والغرب، بل منطقة تستوجب التزاماً وطنياً واستراتيجية موحدة تحفظ السيادة وتضع حداً للتهميش.

ومن هذا المنطلق، يطرح عمار تساؤلات بشأن الطرف الذي يمتلك القدرة الفعلية على حماية الحدود، ومدى مسؤولية السلطات السياسية والعسكرية عن توفير الأمن والخدمات والتنمية لسكان الإقليم.

من غات إلى الكفرة.. خريطة النفوذ
وبحسب تقديرات عمار، تفرض قوات القيادة العامة بالرجمة حضوراً ميدانياً واسعاً في مناطق من فزان والجنوب الشرقي، بما يشمل قطاعات حدودية ومناطق عسكرية استراتيجية.

وفي الغرب، وصولاً إلى غات والحدود الجزائرية، ينتشر عدد من الوحدات لمراقبة المسالك الصحراوية ومكافحة التهريب وتأمين الحقول النفطية، ومن بينها الشرارة والفيل.

أما في الجنوب الشرقي، فتبرز منطقة الكفرة العسكرية وتشكيلات مثل «سبل السلام» واللواء 128، التي يشير عمار إلى دورها في مراقبة المناطق المحاذية للحدود مع مصر والسودان وتشاد، في محيط يتأثر بتداعيات الاضطرابات الإقليمية.

ويعتبر عمار أن هذا الانتشار يمثل أحد أبرز عناصر النفوذ العسكري للقيادة العامة في الجنوب، وأنه يمنحها قدرة على متابعة مناطق واسعة من الحدود، وإن كان حجم السيطرة على كل قطاع ومسلك يحتاج إلى تقييم ميداني منفصل.

زيارات صدام حفتر.. ما وراء الحضور العسكري؟
يقرأ عمار الزيارات والمناورات التي أشار إلى حدوثها خلال اليومين الماضيين باعتبارها رسالة سياسية وعسكرية إلى الداخل والخارج، مفادها أن القيادة العامة حاضرة ميدانياً في مناطق واسعة من الجنوب، وأنها تسعى إلى إظهار قدرتها على إدارة انتشار قواتها.

كما يركز على الجانب المعنوي، باعتباره عنصراً من عناصر الجاهزية، خصوصاً بالنسبة إلى الجنود الذين يؤدون مهامهم في مناطق بعيدة عن المدن ومراكز الإمداد.

لكن السؤال الذي يطرحه عمار يتجاوز الزيارات ذاتها إلى النتائج التي يمكن أن تترتب عليها: هل تنعكس المتابعة القيادية على كفاءة القوات وتجهيزاتها وانضباطها وقدرتها على مراقبة الحدود؟ وهل يؤدي رفع المعنويات إلى تعزيز الأمن بصورة مستدامة؟

المجلس الرئاسي والحكومة.. شرعية بلا سيطرة جنوبية؟
في قراءته، يقارن عمار بين نفوذ القيادة العامة في الميدان وبين وضع السلطات الموجودة في طرابلس.

فالمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي يحمل صفة القائد الأعلى للجيش وفق الترتيبات السياسية، لكن عمار يرى أن هذه الصفة لا تقابلها سيطرة ميدانية مباشرة مماثلة على المعابر الحدودية الجنوبية.

أما حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الذي يتولى وزارة الدفاع، ووكيل الوزارة عبد السلام الزوبي، فتمتلك أدوات مالية وإدارية مهمة، إلى جانب قدرتها على تمويل مشاريع أمنية وتطوير أنظمة مراقبة الحدود.

ويثير عمار تساؤلات بشأن الصفقات المرتبطة بهذه المشاريع، في ظل ما يطرحه من انتقادات تتعلق بالإنفاق والشفافية، كما يشير إلى تحركات سابقة لقوات من غرب ليبيا، من بينها اللواء 444، نحو مناطق قريبة من الشويرف أو غدامس، بما قد يخلق نقاط تماس مع قوات القيادة العامة.

هل يقود النفوذ إلى توحيد المؤسسة العسكرية؟
يرى عمار أن المشهد يطرح سؤالاً أساسياً بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية: هل يمكن أن تؤدي السيطرة الميدانية والزيارات العسكرية إلى فرض واقع جديد يقود إلى توحيد البلاد، أم أن غياب التوافق السياسي سيبقي المناطق الاستراتيجية عرضة للتنافس والصدام؟

ويشمل ذلك غدامس والحقول النفطية والمعابر الحدودية، حيث تتداخل الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية.

ويخلص عمار إلى أن الحضور العسكري، مهما اتسع، لا يحسم وحده معضلة الدولة. فالمطلوب، وفق الرؤية التي يعرضها، استراتيجية وطنية للجنوب تتجاوز الانقسام، وتجمع بين حماية الحدود وصيانة الثروات وإنهاء التهميش، مع معالجة الخلاف حول القيادة والشرعية ضمن مشروع مؤسسي موحد.

search