افتتاحية ديوان القراءات الدبلوماسية (٢٧).. كتابات المرأة المصرية: مهارة صلبة وقوة ناعمة
الأحد، 16 أغسطس 2026 02:25 م
افتتاحية ديوان القراءات الدبلوماسية
السفير عمرو الجويلى
يسعدني أن أرحّب بكم في العدد السابع والعشرين من ديوان القراءات الدبلوماسية، وهو عددٌ يحمل سمةً تستوقف القارئ قبل أن تطالعه سطوره: فكاتباته جميعاً من سيدات مصر؛ أربعُ سيدات جميعهن حملن القلم وإحداهما حملت أيضاً الريشة، فكتبن في الأمن القومي والاستشراف، وفي الرواية وأسئلة الهوية، وفي أدب الرحلة والمعايشة، وفي فنّ الكاريكاتير وثقافة الحق والواجب. ولعل في اجتماع هذه الأصوات النسائية على صفحةٍ واحدة ما يُغري بقراءتها لا فُرادى فحسب، بل بوصفها جوقةً متآلفة تعزف على مقاماتٍ متباينة لحناً واحداً.
ولئن جرت العادة أن نصف الدبلوماسية الثقافية بأنها «قوة ناعمة»، فإن ما بين أيدينا في هذا العدد يقرن النعومة إلى صلابة المهارة؛ فمن دقّة المحلّلة الاستراتيجية التي تقرأ إشارات الخطر قبل وقوعه، إلى رهافة الأديبة التي تنقّب في دواخل النفس، إلى شجاعة الرحّالة التي تعبر الحدود وحيدة، إلى صبر الفنانة التي تُحوّل المواثيق الأممية إلى نبضٍ شعبي. وهكذا تتبدّى المرأة المصرية في هذا الديوان صانعةً للقوة الناعمة وحاملةً لمهارةٍ صُلبة في آنٍ معاً؛ وهي المعادلة التي اخترناها عنواناً.
عيون تسبق الخطر: حين يصير الاستباقُ فنّاً
نبدأ، وفق تسلسل الفهرس، بمقال الدكتورة سماء سليمان — المستشار السياسي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، ومدير وحدة الإنذار المبكر بالمركز سابقاً، وعضو مجلس الشيوخ الأسبق — الذي تعرض فيه لكتابها «عيون تسبق الخطر: الإنذار المبكر وتعزيز الأمن القومي (مصر نموذجاً)». وتنطلق الكاتبة من سؤالٍ مؤسِّس: كيف ترى الدولة التهديدات قبل أن تستفحل الأزمات؟ وكيف تُحوَّل البيانات المتناثرة إلى رؤيةٍ استباقية تُمكّن صانع القرار من حماية الأمن القومي؟ فتقدّم مفهوماً موسّعاً للأمن لم يعُد قاصراً على حماية الحدود، بل امتدّ إلى الاقتصاد والبيئة والمناخ والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتعرض تجارب مقارنة رائدة والمتطلبات المؤسسية والاستثمار في العنصر البشري، وصولاً إلى استراتيجية وطنية متكاملة تخدم رؤية مصر ٢٠٣٠.
ولكل هذه المفاهيم وتلك النظريات أبعاد مباشرة وغير مباشرة متعلقة بمهنة الدبلوماسي، لكن نخص بالذكر ما تناولته الكاتبة عن الدبلوماسية الوقائية بوصفها شقيقةً لأنظمة الإنذار المبكر؛ فكلاهما ينهض على منطق المبادرة لا رد الفعل، وعلى صناعة المسار قبل انفجاره. وما الدبلوماسي الحاذق إلا «عينٌ تسبق الخطر»، يقرأ إشارات الأزمة الجنينية في المفاوضات والعلاقات فيطفئها حواراً وبناءً للثقة قبل أن تتحول حرباً. إنه مقال صلب في مهارته التحليلية، غير أن قلبه — الدبلوماسية الوقائية — من أنعمُ ما تكون القوة.
«سيدي الحب»: جغرافيا الهوية وحدود الذات
وننتقل إلى الأديبة رشا زيدان في مقالها عن روايتها «سيدي الحب: بين التيه والنجاة»، التي تنطلق من سؤالٍ محوري: هل ينجو الإنسان بذاته في عالمٍ يطالبه كل يومٍ بأن يكون نسخةً أخرى؟ عبر قصة هارون حاييم — المنقول طفلاً بعد نكبة ٤٨ من موطنه المغرب إلى إسرائيل لتُفرَض عليه هويةٌ لا تمثّله — يلتقي بفاطمة الفلسطينية في يافا، فيصير الحبُّ قوةً للتحرّر الداخلي ومواجهةً للذات. ولا تسعى الرواية إلى تقديم إجابات بقدر ما تفتح أفقاً للتأمل في الحرية والاختيار والانتماء المفروض في مقابل الانتماء المُختار.
وهنا يتجلّى الدرس الدبلوماسي في أعمق طبقاته: فتحت كل نزاعٍ سياسي بنيةٌ إنسانية من هوياتٍ جريحة وانتماءاتٍ متنازَعة، والقضية الفلسطينية — في جوهرها — سؤال أرضٍ وهوية. وحين تجرؤ الرواية على ولوج التفاصيل اليومية لـ«الآخر»، فإنها تمارس ضرباً من الدبلوماسية الإنسانية التي تتجاوز التفاعلات الرسمية.
«أديس»: دبلوماسية المعايشة على أرض أثيوبيا
ثم نصحب الأستاذة مي مجدي عبد الحكيم في «أديس – يوميات مصرية في إثيوبيا»، وهو مزيجٌ من أدب اليوميات والرحلة سجّلت فيه عاماً كاملاً قضته وحدها في أديس أبابا ضمن برنامج متطوعي الاتحاد الإفريقي، حيث عملت مسؤولاً إعلامياً بمكتب نائب رئيس مفوضية الاتحاد. تكتب عن «البُنّة» و«الإنجيرا» وسوق «الميركاتو» والأعياد الأثيوبية، وعن التشابه اللافت بين الأمهرية والعربية، فتُفكّك الصورة النمطية عن إفريقيا بمعرفةٍ وُلدت من المعايشة لا من صفحات الموسوعات. واللافت أنها — رغم المخاوفَ التي أتت معها— إلا أنها تؤكد أنها لم تلقَ هناك إلا اللطف والمحبة على المستوى الإنسانى والشعبى.
ودرسها الدبلوماسي جليّ: إنها دبلوماسية المعايشة والدبلوماسية الشعبية، حيث يصير المواطن سفيراً غير معتمد، والحضور الثقافي المصري في العمق الإفريقي رصيداً من القوة الناعمة أبلغ أثراً من كثيرٍ من البيانات. فالتقارب بين الشعوب لا يُبنى في قاعات التفاوض وحدها، بل في الأسواق والشوارع وموائد القهوة؛ وحين تلتقي اللغتان في مفرداتٍ متطابقة، يتذكّر المرء أن ما يجمع أكثر مما يفرّق، وأن أدب الرحلة قد يكون جسراً حيث تتعثر الطرق الرسمية.
«حق وواجب المصري»: من الميثاق الأممي إلى نبض الشارع
ونختتم عروض العدد بالدكتورة نجلاء عزت وكتابها «حق وواجب المصري»، الذي أعادت فيه — بريشة الكاريكاتير والنثر العامي المصري — تقديم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (١٩٤٨) ومشروع الإعلان العالمي لواجبات الإنسان (١٩٩٧) في فصلين: حق المصري وواجب المصري. وُلد الكتاب في ٢٠١١ من قناعةٍ بأن الحرية التي نادى بها الجميع تحتاج إلى ثقافة الواجب التي لم يملكها إلا قلة، مستحضرةً حكمة غاندي بأن «الحقوق التي لا تنبع من واجبٍ أُدّي على نحوٍ حسن لا تستحق أن تُمنح». وقد كان عملاً جماعياً بامتياز، شارك في مراجعته وإخراجه نخبةٌ من القانونيين والسياسيين والفنانين، حتى صار — كما تحبّ أن تسمّيه — «كتابنا» لا كتابها.
وهنا يكتمل الدرس الدبلوماسي في أوضح صوره: فالكتاب يترجم المواثيق الأممية إلى «لغةٍ عالمية بلهجةٍ مصرية»، فيقرّبها من المواطن العادي بوصفها جزءاً من قوة مصر الناعمة في سياستها الخارجية. بل إن ثنائية الحق والواجب التي يقوم عليها تُحاكي في العمق مبدأ التبادلية الذي يحكم القانون الدولي والعلاقات بين الدول: فلا حق بلا التزامٍ مقابل، ولا مطالبة تُصان ما لم يقابلها أداءٌ للواجب. إنها دبلوماسيةٌ عامة تُمارَس بالفرشاة والعامية، تُخاطب الداخل والخارج معاً.
قواسمُ مشتركة وخصائصُ متفردة
يجمع بين هذه الكتابات الأربع أكثر من كونها بأقلامٍ نسائية. فثمة معجمٌ يتردّد صداه عبرها جميعاً: الحرية والهوية والاختيار، والإنسان في مواجهة ذاته والعالم، والجسر الممدود بين الخاص المحلي والعام الدولي. وثمة توترٌ خصيب بين قطبين: قطب الاستباق الذي تبشّر به سماء سليمان، وقطب «التيه» الذي تعالجه رشا زيدان؛ فكأن العدد كله يتأرجح بين عينٍ تسبق الخطر وذاتٍ تبحث عن النجاة.
أما الخصائص المتفردة فتتوزّع على المقامات والأجناس: تحليلٌ استراتيجي مؤسسي عند الأولى، وروايةٌ نفسية وجودية عند الثانية، وأدبُ رحلةٍ ويومياتٍ عند الثالثة، وفنٌّ تشكيلي بلغةٍ شعبية عند الرابعة. فمن صلابة البيانات والمؤشرات إلى نعومة الفرشاة والحرف، تتوزّع السيدات الكاتبات الأربع على كامل الطيف الممتد بين المهارة الصلبة والقوة الناعمة — وهو ما يجعل العدد لوحةً واحدةً بأربعة ألوان.
دروسٌ دبلوماسية وخلاصاتٌ للتأمل
ما الذي يمكن أن نستخلصه من هذا العدد؟ أولاً، أن الدبلوماسية العامة تفيض عن جدران الوزارات ونصوص المعاهدات لتسري في الرواية واليوميات والكاريكاتير وغرفة الإنذار المبكر؛ فالثقافة كلها حقلٌ دبلوماسي إن أحسنّا قراءتها. وثانياً، أن ثنائية الحق والواجب عند الدكتورة نجلاء عزت هي بعينها مبدأ التبادلية في القانون الدولي، وأن استباق الدكتورة سماء سليمان هو روح الدبلوماسية الوقائية، وأن معايشة الأستاذة مي عبد الحكيم هي جوهر الدبلوماسية الشعبية، وأن تعاطف الأديبة رشا زيدان مع الذات و«الآخر» هو شرط كل تفاوضٍ إنساني.
وثالثاً — وهو خلاصةٌ نتركها للتأمل — أن القوة الناعمة لمصر ليست شعاراً يُرفع، بل تُكتب وتُرسم وتُعاش بأيدي سيداتها: في تحليلٍ يحمي، وروايةٍ تُنصف الإنسان، ويومياتٍ تبني الجسور، وريشةٍ تُقرّب المواثيق. فإذا كان الاستباق خيراً من رد الفعل، والواجب قريناً للحق، والمعرفة بالآخر شرطاً للسلام معه — أفلا يكون في هذا العدد دعوةٌ إلى دبلوماسيةٍ تسبق الخطر بعينٍ يقظة، وتنجو من التيه بذاتٍ واثقة، وتبني بالثقافة ما يعجز عنه أحياناً صخبُ السياسة؟
ومن هنا دعوةٌ متجددة من المحرر للمراسلة على [email protected]، وللاستمرار في المشاركة في ديوان القراءات الدبلوماسية بالمقالات القيّمة عن الكتب والإصدارات المتنوعة في الأعداد القادمة.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
محافظ القاهرة لرؤساء الأحياء الجدد: المواطن أولًا
16 أغسطس 2026 05:58 م
الإسماعيلية تلغي مهرجان المانجو.. وعوائده لأسر ضحايا الدواويس
13 أغسطس 2026 04:18 م
انقطاع المياه عن 10 مناطق بمدينة نصر.. التفاصيل الكاملة
11 أغسطس 2026 05:58 م
ورشة توعوية لطلاب الامتياز حول صحة الأم والطفل وأهمية الولادة الطبيعية
10 أغسطس 2026 06:29 م
محافظ سوهاج يستجيب لاستغاثة الطفل "محمود شادي" وتحرك لعلاجه فورا
10 أغسطس 2026 06:22 م
الأكثر قراءة
-
إيران ترصد 30 ألف دولار لأسر أو قتل عسكري أمريكي
-
بنك ناصر يدعم القمح والنخيل لتعزيز الأمن الغذائي
-
تفاصيل الحدود الدنيا للتقدم للكليات بالجامعات الخاصة والأهلية لعام 2026/2027
-
افتتاحية ديوان القراءات الدبلوماسية (٢٧).. كتابات المرأة المصرية: مهارة صلبة وقوة ناعمة
-
"التعليم" تعلن الاستعدادات للعام الدراسي الجديد وتكشف تفاصيل البكالوريا المصرية
أكثر الكلمات انتشاراً