السفير عمر أبو عيش يكتب: نموذج التنمية الصينية وتكيفه مع الحالة المصرية
الأحد، 31 مايو 2026 06:22 م
السفير عمر أبو عيش
أثار نجاح تجربة الصين التنموية جدلاً واسعاً بين المفكرين الاقتصاديين حول ما إذا كانت تمثل نموذجاً يحتذى به للدول النامية، خاصة في ظل محدودية فاعلية النموذج الغربي الذي طرحته مؤسسات بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية، والذي لم ينجح بالقدر الكافي في تحقيق تنمية سريعة ومستدامة تنقل الدول النامية إلى مستويات متقدمة من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعي. ولم يعد النقاش حول التجربة الصينية مجرد تقييم لقصة نجاح، بل أصبح جزءاً من تحليل أعمق للتحولات في النظام الاقتصادي العالمي، حيث أسهم صعود الصين في إعادة توزيع مراكز القوة وطرح نموذج تنموي بديل يتجاوز القوالب التقليدية.
فمنذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في الثمانينيات بقيادة دنغ شياو بينغ، تبنت الصين مساراً قائماً على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق، بحيث احتفظت الدولة بدور استراتيجي في توجيه الموارد نحو قطاعات محددة، مع السماح لقوى السوق بالعمل في إطار منضبط. وقد أتاح هذا التوازن تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة، وتحويل الصين إلى مركز رئيسي في الاقتصاد العالمي، ليس فقط كقاعدة إنتاجية، بل كفاعل مؤثر في تشكيل قواعده.
وقد تعزز هذا الدور مع انتقال الصين من الصناعات كثيفة العمالة إلى قطاعات أكثر تقدماً في سلاسل القيمة العالمية، خاصة التكنولوجيا والطاقة المتجددة، إلى جانب إطلاق مبادرات كبرى مثل الحزام والطريق التي أعادت ربط الاقتصاد العالمي عبر شبكات جديدة من التجارة والاستثمار. كما سعت الصين لدعم مؤسسات مالية بديلة، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وبنك التنمية الجديد المعروف ببنك البريكس، تعكس توجهاً نحو تعددية قطبية اقتصادية، بما يقلل من الهيمنة التقليدية للمؤسسات الغربية. لذا فقد عكس هذا التحول تغييراً في فلسفة التنمية، حيث قدمت الصين نموذجاً قائماً على البراجماتية التنموية التي توظف الدولة والسوق بشكل تكاملي وفق مقتضيات المصلحة الوطنية، وهو ما جعل التجربة الصينية محل اهتمام دول الجنوب الساعية لتحقيق التنمية دون التفريط في السيادة الوطنية.
ويمكن لمصر الاستفادة من التجربة الصينية عبر تعزيز دور الدولة التنموي من خلال تحسين كفاءة التخطيط والتنفيذ، وتوجيه الموارد نحو قطاعات استراتيجية كالصناعة والتكنولوجيا، مع تبني سياسة صناعية نشطة تنقل الاقتصاد من الاعتماد على الاستهلاك إلى نموذج إنتاجي أكثر تنافسية. كما أن الاستثمار في البنية التحتية، رغم أهميته، يجب أن يرتبط بقدرات حقيقية على توليد قيمة اقتصادية مستدامة ودعم الإنتاج والتصدير.
ارتباطا بما تقدم، تبرز مصر كحالة ذات إمكانات واعدة نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، ومرور أهم الممرات التجارية العالمية عبرها، إلى جانب امتلاكها سوقاً محلية ودولية يتخطى 2.2 مليار نسمة. وتتيح هذه المقومات لمصر فرصاً للاندماج في المبادرات الدولية، ومنها مبادرة الحزام والطريق ، حال توجيهها نحو أنشطة إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية . وإذا كان الاندماج الذكي في الاقتصاد العالمي يشكل أحد الدروس الهامة، فيمكن لمصر توظيف موقعها واتفاقياتها التجارية لتصبح منصة إقليمية للإنتاج والتصدير، خاصة في ظل التحولات الجارية في سلاسل الإمداد العالمية. ويظل الاستثمار في رأس المال البشري عاملاً حاسماً في هذا السياق، إذ أن تطوير التعليم، خاصة الفني والتكنولوجي، يمثل شرطاً أساسياً ومحوريا لرفع الإنتاجية وتحقيق التنمية المستدامة .
وفي هذا الإطار، تمثل الاستثمارات الصينية في مصر أحد المسارات العملية للاستفادة من التجربة الصينية، حيث توسعت في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة، بما يعكس تطور العلاقة نحو شراكة تنموية. ويمكن لهذه الاستثمارات أن تسهم في نقل التكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية محلية إذا ما تم توظيفها بشكل فعال. وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كنموذج واعد لتوطين الصناعات الصينية، حيث نجحت في جذب استثمارات في مجالات متعددة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي واتصالها بموانئ وطرق التجارة العالمية. غير أن نجاح هذه التجربة يرتبط بقدرتها على خلق روابط إنتاجية محلية، وتعزيز نقل المعرفة، ورفع نسب المكون المحلي، بما يسهم في بناء قاعدة صناعية وطنية مستدامة .
ورغم هذه الفرص، فإن الاستفادة من التجربة الصينية تظل مشروطة بإدراك الفوارق الهيكلية بين البلدين، حيث تمتلك الصين موارد وقدرات مؤسسية كبيرة وسياقاً خاصاً ساعدها على تنفيذ سياسات طويلة المدى. كما أن تعميق الشراكة مع الصين ينبغي أن يتم في إطار من التوازن يضمن تنوع الشركاء ويحافظ على استقلالية القرار الاقتصادي .
في المحصلة، تعد التجربة الصينية نموذجاً يقدم دروسا هامة حول أهمية التخطيط طويل المدى، ودور الدولة، وأولوية بناء قاعدة إنتاجية قوية .
ويبقى التحدي أمام مصر في صياغة نموذج تنموي وطني يستفيد من هذه الدروس، مع مراعاة خصوصية واقعها، وبما يمكنها من إعادة تمركزها كفاعل اقتصادي إقليمي في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
نائب وزير الصحة يجري جولة تفقدية مفاجئة بمنشآت طبية بالقاهرة
31 مايو 2026 07:11 م
مصرع عاملين غرقًا داخل بئر للصرف الصحي بمركز بدر بالبحيرة
30 مايو 2026 03:47 م
محافظ بورسعيد يبحث مع "عصفور" عدد من الملفات الخدمية بالمحافظة
25 مايو 2026 05:46 م
القاهرة ترفع الطوارئ استعدادًا للعيد.. وإلغاء إجازات عمال النظافة والحدائق
24 مايو 2026 04:30 م
قبل العيد.. القاهرة تعلن جاهزية كاملة لتوفير المواد البترولية
24 مايو 2026 02:34 م
وزيرة الإسكان: محور عمرو بن العاص ثاني محور مروري حر بالجيزة
23 مايو 2026 02:11 م
أكثر الكلمات انتشاراً