في ذكرى عيد الاستقلال الـ 108: سفير جورجيا بمصر يستعرض الرؤية المشتركة لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وتبليسي

الثلاثاء، 26 مايو 2026 10:49 م

جانب من اللقاء

جانب من اللقاء

تحتفل جمهورية جورجيا في السادس والعشرين من مايو بعيدها القومي الـ 108، وهي المناسبة التاريخية التي تؤرخ لإعلان استقلالها الأول عام 1918 وتأسيس جمهوريتها الديمقراطية الأولى. وفي سياق هذه المناسبة الوطنية الرفيعة، واستلهاماً لعمق الروابط التاريخية التي تجمع بين تبليسي والقاهرة، يلتقي السفير الجورجي لدى مصر في هذا الحوار الشامل لتسليط الضوء على آفاق التعاون الثنائي بين البلدين. ويأتي هذا اللقاء في وقت يشهد فيه البلدان زخماً دبلوماسياً واقتصادياً لافتاً، مدفوعاً برغبة مشتركة في تحويل التحديات الجيوسياسية الراهنة إلى فرص واعدة، وتعزيز التنسيق بين مصر وجورجيا كمركزين استراتيجيين يربطان بين قارات العالم.

وإلى نص الحوار:

1. كيف تقيمون الوضع الراهن للعلاقات الدبلوماسية بين تبليسي والقاهرة؟ وما هي أهم أولوياتكم كسفير لجورجيا في مصر؟

تحتفل جورجيا في 26 مايو بالذكرى الـ 108 لإعلان وثيقة الاستقلال عام 1918، والتي تأسست بموجبها أول جمهورية ديمقراطية لجورجيا بعد أكثر من قرن من سيطرة الإمبراطورية الروسية. وحمل هذا الإعلان أهمية تاريخية كبرى، إذ أرسى الأساس للهوية الأوروبية لجورجيا وأكد التزام الأمة بالديمقراطية من خلال ضمان الحقوق السياسية المتساوية لجميع المواطنين، بغض النظر عن القومية أو العقيدة أو الوضع الاجتماعي أو الجنس. ورغم تعرض جورجيا للغزو من قِبل الجيش الأحمر عام 1921 ودمجها في الاتحاد السوفيتي، إلا أنها استعادت استقلالها في 9 أبريل 1991، لتصبح العضو رقم 179 في الأمم المتحدة. ويصادف هذا العام أيضاً الذكرى الـ 35 لاستعادة الاستقلال، حيث تستمر قيم هذا الإعلان في توجيه شراكات جورجيا، بما في ذلك شراكتها مع مصر.

وقد أقامت جورجيا ومصر علاقات دبلوماسية عام 1992، واُفتتحت البعثة الجورجية في القاهرة عام 1998. وبذلك سنحتفل العام المقبل بالذكرى الـ 35 لروابطنا الدبلوماسية الثنائية. وعلى مر السنين، تعززت العلاقات بشكل مطرد، وتجسد ذلك في الجولة الثامنة من المشاورات الثنائية التي عُقدت في فبراير الماضي بالعاصمة الإدارية الجديدة، حيث ناقش الجانبان التعاون المشترك والقضايا الإقليمية والدولية.

وبشكل عام، نعمل على الارتقاء بروابطنا السياسية والاقتصادية والثقافية الثنائية. وبشكل أكثر تحديداً، نأمل في زيادة التبادلات بين الشعبين، مع التركيز على المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين رفيعي المستوى، وجذب المزيد من المستثمرين المصريين للاستفادة من بيئة الأعمال الليبرالية في جورجيا، وزيادة أعداد الطلاب والمسافرين بين البلدين. والأهم من ذلك، نأمل أن نرى أخيراً افتتاح البعثة الدبلوماسية المصرية المنتظرة في تبليسي، وهو ما من شأنه بلا شك أن يعطي دفعة قوية للتعاون الثنائي بين جورجيا ومصر في جميع المجالات ذات الاهتمام المشترك.

2. تمثل كل من مصر وجورجيا مراكز استراتيجية في منطقتيهما. كيف يمكن للبلدين تعزيز التنسيق في مواجهة التحديات الجيوسياسية العالمية الراهنة؟

تقف جورجيا عند مفترق طرق استراتيجي، وتستخدم موانئها على البحر الأسود، وبنيتها التحتية المتطورة للنقل، والاتصال الرقمي المتنامي لتصبح بوابة رئيسية للتجارة وحركة الأفراد. وتجسد مشاريع مثل خط سكك حديد (باكو-تبليسي-كارس)، وميناء "أناكليا" للمياه العميقة، وتوسيع المراكز اللوجستية هذه الرؤية. ومن خلال الحفاظ على بيئة أعمال حرة ومتقدمة، وتقوية شبكات التجارة، وتطوير طرق نقل تنافسية، تساهم جورجيا في الاستقرار والازدهار الإقليميين. ونظراً لأن التنمية الإقليمية عملية مترابطة، فإن التعاون يعد أمراً ضرورياً للاستغلال الأمثل لفرص النقل واللوجستيات وترانزيت الطاقة، لا سيما مع استمرار نمو الطلب العالمي على قدرات منطقة جنوب القوقاز. ويلعب البحر الأسود دوراً حيوياً في التجارة العالمية، ويعد ضمان الملاحة الآمنة وغير المنقطعة أمراً حاسماً لتدفق الطاقة والسلع والخدمات.

إن جورجيا، بموقعها الاستراتيجي بين أوروبا وآسيا، تعمل كبوابة للأسواق الكبرى وتشارك بِنشاط في المشاريع الإقليمية والدولية التي تعزز البنية التحتية والتجارة والاستثمار. وهي تعزز دورها كمركز ترانزيت رئيسي على طول الممر الأوروبي الآسيوي، بما في ذلك من خلال موانئ مثل باتومي وبوتي، ومبادرات مثل "طريق النقل الدولي العابر للقوقاز" ومبادرة "الحزام والطريق". إن الاستمرار في الاستثمار في البنية التحتية والصناعة سيعزز مكانة جورجيا كجسر بين الشرق والغرب. وفي البيئة الجيوسياسية المعقدة اليوم، يعد التعاون الوثيق والقائم على الثقة بين دول مثل جورجيا ومصر — على المستويين الحكومي والتجاري — أمراً ضرورياً لمواجهة التحديات واقتناص الفرص المشتركة.

3. هل هناك أي زيارات رسمية رفيعة المستوى مخططة بين البلدين في المستقبل القريب؟

هناك مناقشات جارية بشأن العديد من الزيارات المتبادلة المحتملة رفيعة المستوى في المستقبل القريب، مما يعكس الزخم الإيجابي في العلاقات الثنائية بين بلدينا. وعلى وجه الخصوص، هناك اهتمام قوي بزيادة تفعيل التعاون البرلماني المشترك من خلال تشكيل جمعيات صداقة في كلا البرلمانين، والتي ستلعب دوراً مهماً في تعزيز لغة الحوار.

ومثل هذه الزيارات ستعمق بلا شك تعاوننا في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والروابط بين الشعبين. ونحن ملتزمون بالاستمرار في الحفاظ على التنسيق الوثيق ونتطلع إلى مشاركات أكثر فاعلية على جميع المستويات.

الجزء الثاني: التعاون الاقتصادي والاستثماري

4. قطعت جورجيا أشواطاً ملحوظة في مؤشرات "سهولة ممارسة الأعمال" ومكافحة الفساد. كيف يمكن لمصر وجورجيا تبادل الخبرات في مجال الإصلاح الإداري والاقتصادي؟

تتشارك مصر وجورجيا التزاماً قوياً بالإصلاح والشفافية والنمو الذي يقوده القطاع الخاص. وتأسيساً على التحول الذي شهدته جورجيا وأجندة التحديث المصرية، يمكن للبلدين تعميق التعاون من خلال تبادل الخبرات ذات الأثر العالي. ويشمل ذلك إنشاء آليات مأسسة لتبادل المعرفة مثل مجموعات العمل المشتركة والحوارات السياسية المنتظمة لتبادل أفضل الممارسات في مجال الإصلاح التنظيمي، والإدارة المالية العامة، وتسهيل الاستثمار. وتعد الحوكمة الرقمية مجالاً رئيسياً آخر، حيث يمكن لخبرة جورجيا في تبسيط الخدمات من خلال الرقمنة أن تكمل استراتيجية "مصر الرقمية" من خلال الزيارات الدراسية وورش العمل الفنية.

ويمكن للبلدين أيضاً التعاون في تحسين بيئة الأعمال، بالاستفادة من تجربة جورجيا في تبسيط إجراءات التراخيص، وتعزيز آليات تسوية النزاعات، وزيادة الشفافية التنظيمية لدعم مناخ الاستثمار في مصر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تحقيق نقل مستدام للمعرفة في مجالات مثل السياسة الضريبية والابتكار من خلال مبادرات بناء القدرات والشراكات بين المؤسسات، مثل "الوكالة الجورجية للابتكار والتكنولوجيا" و"المعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة" في مصر. ومن خلال التعاون المنظم والحوار المستمر، يمكن لكلا البلدين دفع عجلة النمو الشامل، وتعزيز الحوكمة، وتعميق الروابط الاقتصادية الثنائية.

إن جورجيا شريك بناء وموثوق، يهدف ويساهم في تحقيق السلام الإقليمي، لا سيما في منطقة جنوب القوقاز. ورؤيتنا واضحة: تحويل منطقتنا إلى مساحة للاستقرار والحوار والتعاون والتنمية المستدامة. ونحن نؤمن بأن هذا التحول لا يمكن تحقيقه إلا من خلال شراكات وثيقة تقوم على الفهم العميق للتحديات المشتركة.

ونحن نرحب بالمبادرات الجديدة للتعاون الاقتصادي التي تهدف إلى تحقيق النمو المستدام والمرونة العالية. إن منطقتنا، بموقعها الاستراتيجي وبيئتها المستقرة، تقدم عدداً من الفرص للدول المهتمة بالشراكة. وفقط من خلال التعاون الوثيق بين دول المنطقة، سيكون من الممكن الاستغلال الكامل للإمكانات والفرص الناشئة وتحقيق التنمية المستهدفة.

5. ما هي القطاعات التي تعتقد أنها توفر فرصاً استثمارية واعدة لرجال الأعمال المصريين في جورجيا، والعكس؟

توفر جورجيا ومصر نقاط قوة ومزايا سوقية متكاملة، مما يخلق أساساً قوياً لاستثمارات متبادلة المنفعة. وتشمل القطاعات الرئيسية للمستثمرين المصريين في جورجيا قطاع الطاقة المتجددة، حيث توفر الموارد الوفيرة من الطاقة الكهرومائية، وطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة الحرارية الجوفية، إلى جانب الإطار التنظيمي الجاذب للمستثمرين، آفاقاً صلبة على المدى الطويل مدعومة بآليات تسعير مرنة والحد من المخاطر. كما تتيح الزراعة والصناعات الغذائية فرصاً مميزة بفضل الأراضي الخصبة والوصول إلى أسواق التصدير، جنباً إلى جنب مع قطاعات السياحة والضيافة واللوجستيات، حيث يعزز موقع جورجيا الاستراتيجي بين أوروبا وآسيا من الإمكانات الاستثمارية.

أما بالنسبة للمستثمرين الجورجيين، فإن سوق مصر الكبيرة والديناميكية توفر فرصاً في مجالات التصنيع والإنتاج الصناعي، لا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بالإضافة إلى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الرقمية، والتكنولوجيا المالية (Fintech)، والطاقة المتجددة. كما يظل قطاعا الإنشاءات والعقارات والسياحة جاذبين للغاية بفضل المشاريع القومية الكبرى والإصلاحات المستمرة. وتستفيد هذه القطاعات من حجم السوق المصرية، وبنيتها التحتية، وبيئتها الاقتصادية الآخذة في التوسع.

وعموماً، تعكس العلاقة الاستثمارية تكاملاً قوياً؛ حيث تقدم جورجيا بيئة أعمال ليبرالية وميسرة واتصالاً استراتيجياً، في حين توفر مصر حجم سوق ضخم ونفاذاً إلى الأسواق الإفريقية والشرق أوسطية. ومن خلال الشراكات، والمشاريع المشتركة، والتعاون المؤسسي، يمكن لكلا البلدين فتح آفاق قيمة اقتصادية كبرى ومواصلة تعزيز روابط الاستثمار الثنائية.

6. هل هناك خطط محددة لزيادة حجم التبادل التجاري، وما هي العقبات التي تعملون على تذليلها (مثل خطوط الطيران المباشرة أو اللوجستيات)؟

في الوقت الحالي، لا توجد رحلات طيران منتظمة ومباشرة بين جورجيا ومصر، حيث تقتصر الحركة الحالية على طيران الشارتر (العارض) الذي يربط شرم الشيخ والغردقة بالعاصمة تبليسي. ولتدارك ذلك، تطلق شركة "إير كايرو" لِموسم صيف 2026 رحلات شارتر مباشرة جديدة بين باتومي والقاهرة، بمعدل رحلة أسبوعياً، مما يمثل أول ربط مباشر بين المدينتين. كما أجرينا مناقشات بناءة بشأن تعزيز الاتصال الجوي بين القاهرة وتبليسي؛ وفي هذا الصدد، عقدنا اجتماعاً مع الرئيس التنفيذي لشركة "إير كايرو" لبحث إمكانية تسيير رحلات طيران مباشرة ومنتظمة بين العاصمتين.

7. ما رأيك في العاصمة الإدارية الجديدة بمصر والتنمية العمرانية الأخيرة؟

إن العاصمة الإدارية الجديدة، التي صُممت لتكون مركزاً حديثاً للحوكمة والأعمال والابتكار، تمثل رؤية جريئة ومستقبلية لمستقبل البلاد. ويعكس نهجها المتكامل كمدينة ذكية تجمع بين البنية التحتية المتقدمة والمساحات الخضراء والمراكز المؤسسية، التزاماً قوياً بالتنمية الحضرية المستدامة وتحسين جودة الحياة.

وفي الوقت نفسه، تلعب هذه المبادرة دوراً حيوياً في مواجهة التحديات الحضرية من خلال تخفيف الضغط عن القاهرة وخلق فرص جديدة للنمو والاستثمار والتشغيل.

وبشكل عام، يستحق مشروع العاصمة الإدارية الجديدة إشادة كبيرة باعتباره إنجازاً فارقاً يجسد التقدم والمرونة وثقة مصر في تشكيل مستقبلها

السياحة والتبادل الثقافي

8. بالنظر إلى العمق التاريخي والثقافي المشترك بين الشعبين، كيف تخطط السفارة لتعزيز التبادلات الثقافية والأكاديمية في الفترة المقبلة؟

تتشارك مصر وجورجيا إرثاً تاريخياً غنياً والتزاماً قوياً بالاستثمار في الثروة البشرية من خلال التعليم والثقافة وتبادل المعرفة. وتأسيساً على هذا المشترك، تهدف السفارة إلى تعميق الروابط بين الشعبين وتقوية الشراكات المؤسسية. ويعكس الاهتمام المتزايد بين الطلاب المصريين بالدراسة في جورجيا جودة التعليم الجورجي والتواصل الفطري بين المجتمعين، وتستمر الجهود لدعم حركة التبادل الأكاديمي بشكل أكبر. كما توفر التقاليد الجورجية العريقة في مجال الدراسات الشرقية أساساً قوياً لتوسيع التعاون مع المؤسسات المصرية، في حين يساهم الدعم المصري من خلال المنح الدراسية والأنشطة الأكاديمية المشتركة — مثل ورش العمل الأخيرة في القاهرة — في تعزيز التفاهم المتبادل.

وثقافياً، تعمل السفارة على تسليط الضوء على التراث المشترك من خلال مبادرات نوعية، مثل إعداد فيلم وثائقي عن "المماليك الجورجيين في مصر"، ليُعرض على الجمهورين الجورجي والمصري. وتشمل الخطط المستقبلية مشاريع ثقافية مثل معارض للخطوط الجورجية المعترف بها من قِبل اليونسكو، وعروض تقدمها فرقة الرقص الوطني الجورجية. ومن خلال هذه المبادرات الأكاديمية والثقافية، فإن الهدف هو بناء روابط دائمة، وتشجيع الحوار، وتقوية العلاقات الوثيقة والودية القائمة بالفعل بين مصر وجورجيا.

كلمات ختامية

9. على الصعيد الشخصي، كيف تصف تجربتك مع الثقافة المصرية حتى الآن؟ وما هي الرسالة التي تود توجيهها للشعب المصري من خلال منصتنا؟

أنا من محبي التاريخ، وبالنسبة لشخص مثلي، لا تكاد توجد وجهة أفضل من "أم الدنيا". إنني في حالة ذهول دائم أمام العمارة الصرحية والمخزون الهائل من المواقع الأثرية التي تمزج بين التقاليد الفرعونية والتأثيرات اليونانية والرومانية والإسلامية. وتتطابق عظمة الآثار القديمة مع روعة المتحف المصري الكبير الذي اُفتتح مؤخراً، وقد كانت زيارتي له تجربة لا تُنسى. هناك الكثير لرؤيته والكثير لاكتشافه في مصر!

لقد تأثرت كثيراً بكرم الضيافة المتأصل وحفاوة الشعب المصري، وأستمتع حقاً بالمظاهر اليومية النابضة بالحياة لتنوعهم الثقافي وتقاليد المطبخ المصري الطهوية الفريدة. ورغم أنني بعيد عن وطني، فإنني أستحضر هنا أجواء بلدي من خلال أخلاقيات المجتمع المصري المبنية على مبادئ الشرف والاحترام والتعاطف، والراسخة على الأساس القوي للعائلة والروابط الشخصية الوثيقة.

إن مصر تسير على طريق نمو اقتصادي قوي ومتنوع مع آفاق إيجابية للغاية للخمسين سنة القادمة. وأتمنى للشعب المصري كل التوفيق والنجاح في الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي يقوم بها.

 وليس لدي أدنى شك في أن هذه الحضارة العريقة سوف تستمر وتزدهر في المستقبل، مدفوعة بالعزيمة والإصرار اللذين لا يلينان لشعبها العظيم لتحويل التحديات إلى فرص واعدة لحياة أفضل.

search