الكرد.. أمة الجبال بدون دولة

الأحد، 18 يناير 2026 10:08 ص

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

يُعد الكرد من أعرق أعراق الشرق. ورغم هذا، ظلوا فى الأغلب أكبر قوم بلا دولة مركزية إثر صعوبات جغرافية ومعضلات اجتماعية وصراعات چيوسياسية إقليمية ودولية. ويتسم الوجود الكردى على مدار الزمن الطويل فى نطاقات جبال زاجروس وطوروس وأرارات. ولذا، فإنهم بحق أمة الجبال.

وثمة ارتباط عضوى وثيق بين الكرد والجبال التى تُمثل مفاتيح الهوية  الكردية. ولاغرو؛ إذ ظلت الجبال بمثابة الملاذ الآمن للكرد فى مواجهة الطغيان الإمبراطورى، وعرقلت مشروعات الهيمنة التامة على وطنهم، وأكسبتهم ثقافة المقاومة وامتلاك إرادة الإقدام والاقتحام، والنضال من أجل البقاء. ولاريب أن المناضل الجبلى جزء من الهوية الكردية حتى أن جُل الأدبيات نعتتهم بفرسان الشرق.

ورغم أن الجبال خلقت عزلة جغرافية داخل كردستان وصعوبة الاتصال والتواصل فيما بينها، فقد ظلت رمزاً للحرية والاستقلال الذاتى والحفاظ على اللغة والتراث الثقافى على نحو ما تجلى فى الإنتاج الإبداعى منذ أن أشعل كاوا الحداد ناراً على قمم الجبال معلناً ميلاد حياة جديدة؛ نوروز.

ولاريب أن التصدى لكتابة تاريخ عام للكرد وكردستان معضلة جد شائكة. ففى ظل عدم وجود دولة مركزية، اختفت السردية الكردية، وطفحت وطغت السرديات الاستعمارية. ومن ثم ، ثمة صراع سرديات اصطبغت بأيديولوچيات صبت معظمها ضد السردية الكردية. وتفرقت الوقائع والحقائق بين العشائر والطوائف والإمارات والإمبراطوريات. ولذا، ، حملُت مصباح ديوجين بحثاً عن الحقيقة فى وضح النهار لكتابة مرجع علمى موضوعى شامل عن الكرد وكردستان فى التاريخ الحديث، يجمع بين الخصوصيات الكردية والمتغيرات الإقليمية والدولية.

ويستعرض الكتاب وضعية الكرد وكردستان فى سياقيها الإقليمى والدولى خلال العصر الحديث بين عامىَّ 1514 – 1914م. وقد وقع الاختيار على عام 1514م كبداية لأنه شهد معركة چالديران المهمة والمؤثرة فى إعادة بناء المنطقة، وأسهمت فى تقسيم كردستان بين دولتىَّ الشاهات الفارسية والسلاطين العثمانية. وبذا، دار التاريخ الكردى فى فلك هاتين الدولتين إقليمياً. وانتهى الكتاب بعام 1914م الذى شهد انفجار الحرب العالمية الأولى وتغيير موازين القوى التى أسفرت نتائجها وتسوياتها عن ابتداء التاريخ المعاصر.

وإذا كانت كردستان الشرقية  ظلت تحت الحكم الإيرانى، فقد قسم المستعمرون كردستان الغربية (العثمانية) بين ثلاث دول قومية وليدة؛ تركيا والعراق وسورية. وبذا، دخل الكرد التاريخ المعاصر، وانخرطوا فى الحفاظ على بقائهم أمام مشروعات التفريس والتتريك والتعريب.

وقد قسمُت الكتاب إلى سبعة فصول تسبقها مقدمة ويُنهيها ملحق خرائط وصور.

حمل الفصل الأول عنوان: " كردستان والكرد... المكان والإنسان والزمان "، وفيه نبذة عن موقع  كردستان الجغرافى وأهميته الچيوستراتيچية، وكذا، تكوين بنية الكرد من مزيج بين أقوام زاجروس – السكان الأصليين- والعناصر الآرية الوافدة على المنطقة ناهيك عن سمات الهوية الكردية. وتطرق الفصل إلى الصراع الإقليمى حول كردستان وتقسيمها بين الهلال الفارسى الشيعى والهلال العثمانى السُنى وبداية التاريخ الحديث.

وتناول الفصل الثانى " عصر الإمارات الكردية... عشائر وطوائف وأطياف". ويستعرض أوضاع الإمارات الكردية تحت الحكمين العثمانى والفارسى حتى مطلع القرن التاسع عشر من حيث مركزية العشيرة والبناء الاجتماعى والاقتصاديات. وأفرد الفصل مساحة محورية للاستراتيچيات التى انتهجتها السلطات العثمانية المركزية والإقليمية إزاء الإمارات الكردية الواقعة غرب جبال زاجروس فى دائرة دولتها، وعلى رأسها تطبيق مبدأ فرق تسد.

واختص الفصل الثالث بـ " نهاية عصر الإمارات الكردية... مؤامرات وتوازنات وتحالفات " على امتداد النصف الأول من القرن التاسع عشر كنتيجة مباشرة للإصلاحات والتنظيمات بغية احتلال كردستان مباشرة وفرض المركزية عليها. ولذا، وقعت مواجهات ضارية بين الدولتين العثمانية والفارسية بدعم بريطانى – روسى وبين الإمارات الكردية. وقد تمخضت المواجهات عن سقوط الإمارات الكبرى والقوية بدءاً من بابان مروراً بسوران وليس انتهاءً ببوتان.

واستعرض الفصل الرابع " كردستان والمسألة الشرقية... صراعات وانتفاضات وحروب ". ويتطرق الفصل إلى صعود المسألة الشرقية وانفجارها فى حرب القرم 1853 – 1856م بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية وتداعياتها على المسألة الكردية كما تجلت فى ثورة عز الدين شير. كما عرج الفصل إلى دراسة وضعية كردستان المأساوية منذ نهاية حرب القرم وفشل الثورة الكردية حتى الحرب الروسية العثمانية 1877- 1878م.

وجاء الفصل الخامس بعنوان" كردستان والجامعة الإسلامية... شريعة وشرعية وهوية " . وقد تناول الفصل استعانة السلطات العثمانية زمن السلطان عبد الحميد الثانى ( 1876- 1909م) بإستراتيچية الجامعة الإسلامية وتداعياتها على كردستان كما تجلت فى ثورة الشيخ عُبيدالله النهرى النقشبندى. ورغم فشل هذه الثورة، فقد قاوم الشيخ مركزة الإدارة وعثمنة كردستان، وتشبث بالمصالح الكردية وفقاً  لمعطيات الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

ورصد الفصل السادس " كردستان وعصر الفيالق الحميدية... ولاءات وانتماءات وانقلابات " . ويتناول الفصل تغيير الإستراتيچية العثمانية آلياتها إزاء الكرد واستيعابهم فى الفيالق الحميدية دفاعاً عن الحدود الشرقية ولغايات متعددة اعتباراً من عام 1891م. وفى خط متواز، تطرق الفصل إلى ميلاد القومية الكردية، وظهور المعارضة العثمانية، وموقع الكرد وكردستان فى هذا السياق.

وأخيراً رصد الفصل السابع" كردستان والجامعة الكردية... أيديولوجيات وقوميات وهويات "، ويستعرض تأثير الثورتين الدستوريتين فى بلاد فارس (1905م) والدولة العثمانية (1908م) على مسار المسألة الكردية. وتطرق الفصل إلى جملة ثورات وانتفاضات كردية ضد النظام الاتحادى الحاكم فى الدولة العثمانية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى فى عام 1914م، وقبلها إبرام بروتوكول الأستانة " القسطنطينية " 1913م المهم فى ترسيم وتقسيم الحدود الفارسية – العثمانية، وفى القلب مثل كردستان. وبذا، يوصد باب التاريخ الحديث، وتنتفح بوابات التاريخ المعاصر.
 

search